الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
110
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أثرا جسديا ناشئا عن عبادة مثل تفطّر أقدام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من قيام الليل . والبثّ : الهمّ الشديد ، وهو التفكير في الشيء المسئ . والحزن : الأسف على فائت . فبين الهمّ والحزن العموم والخصوص الوجهي ، وقد اجتمعا ليعقوب - عليه السّلام - لأنه كان مهتما بالتفكير في مصير يوسف - عليه السّلام - وما يعترضه من الكرب في غربته وكان آسفا على فراقه . وقد أعقب كلامه بقوله : وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ لينبّههم إلى قصور عقولهم عن إدراك المقاصد العالية ليعلموا أنهم دون مرتبة أن يعلّموه أو يلوموه ، أي أنا أعلم علما من عند اللّه علّمنيه لا تعلمونه وهو علم النبوءة . وقد تقدم نظير هذه الجملة في قصة نوح - عليه السّلام - من سورة الأعراف فهي من كلام النبوءة الأولى . وحكي مثلها عن شعيب - عليه السّلام - في سورة الشعراء . وفي هذا تعريض برد تعرضهم بأنه يطمع في المحال بأن ما يحسبونه محالا سيقع . ثم صرح لهم بشيء ممّا يعلمه وكاشفهم بما يحقق كذبهم ادعاء ائتكال الذئب يوسف - عليه السّلام - حين أذنه اللّه بذلك عند تقدير انتهاء البلوى فقال : يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ . فجملة يا بَنِيَّ اذْهَبُوا مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأن في قوله : وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ما يثير في أنفسهم ترقب مكاشفته على كذبهم فإن صاحب الكيد كثير الظنون يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ [ المنافقون : 4 ] . والتحسّس - بالحاء المهملة - : شدة التطلّب والتعرّف ، وهو أعم من التجسس - بالجيم - فهو التطلّب مع اختفاء وتستر . والرّوح - بفتح الراء : النفس - بفتح الفاء - استعير لكشف الكرب لأن الكرب والهمّ يطلق عليهما الغمّ وضيق النفس وضيق الصدر ، كذلك يطلق التنفس والتروح على ضد ذلك ، ومنه استعارة قولهم : تنفس الصبح إذا زالت ظلمة الليل . وفي خطابهم بوصف البنوّة منه ترقيق لهم وتلطف ليكون أبعث على الامتثال . وجملة إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ تعليل للنهي عن اليأس ، فموقع إِنَّ التعليل . والمعنى : لا تيأسوا من الظفر بيوسف - عليه السّلام - معتلين بطول